المقريزي
92
إمتاع الأسماع
نصب الدنيا ، وإذا خافوها فأحجموا عن تمني الموت خوفا وفرقا من الله - تعالى - ، العالم يقبح فعالهم وسوء أعمالهم ، ولمعرفتهم بكفرهم في قولهم : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) ولحرصهم على الدنيا فلما علم الله - سبحانه - منهم ذلك أخبر عنهم بقوله - تعالى - : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) يحقق - تعالى - كذبهم للناس فلم يقدم أحد منهم على تمني الموت معجزة من الله - تعالى - لنبيه ولو تمنوه لأظهروه بألسنتهم ليردوا بإظهاره صدق المخبر لهم بذلك ، وليبطلوا حجته فيكون تمنيهم للموت أعظم ما يدفعون به نبوته ، ويشنعون به عليه من إخباره بما وقع في الوجوه خلافه ، لكن الله - سبحانه صرفهم عن تمني الموت وحرصهم على الامساك يجعل ذلك آية للمصطفى صلى الله عليه وسلم . وقد روي أنهم لو تمنوا الموت لماتوا ، لأنه صلى الله عليه وسلم قال : لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار . وحكى عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله تبارك وتعالى عنه - ( فتمنوا الموت ) أن المراد ادعوا بالموت على الكاذب من الفريقين منا ومنكم ، فلم يدعوا لعلمهم بكذبهم . وقال الكلبي : عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنتم في مقالتكم صادقين فقالوا : اللهم أمتنا ، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه فمات مكانه ، فأبوا أن يفعلوا فكرهوا ما قال لهم فنزل : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) يعني عملته أيديهم ( والله عليم بالظالمين ) أنهم لن يتمنوه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية : والله لا يتمنونه أبدا ، والذي نفسي بيده لو تمنوا الموت لماتوا ، فكره أعداء الله الموت فلم يتمنوا جزعا أن ينزل بهم الموت . وقال في قوله - تعالى - : ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) ( 1 ) قال : وإذا ناديتم إلى الصلاة بالأذان والإقامة اتخذوها هزوا ولعبا ( ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) أمر الله . قال : وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إلى الصلاة ، قالت اليهود والنصارى : قد قاموا ، لا قاموا ، فإذا رأوهم ركعا سجدا استهزءوا بهم وضحكوا منهم .
--> ( 1 ) المائدة : 58 .